مساحة للتنفس
كتم الاحرف والجمل في عالم يضج بالحركة اصبح امر بغيض وغير محتمل , لهذا كانت هذه المساحة للتنفس و (التنفيس )

:: ما أسهل إيقاف الدنمارك عند حدها لمن أراد!

 
 
 
 
 
 
 
 
د. فيصل القاسم
بالكاد تستطيع أن تميــّز مملكة الدنمارك على الخارطة لصغر حجمها، وقلة عدد سكانها. فهي بحجم حي من أحياء مصر، أو «زاروب» من زواريب إندونيسيا، أو مقاطعة من مقاطعات باكستان. مع ذلك فهي تتحدى المسلمين، من طنجة إلى جاكرتا، لا بل تتمادى في الإساءة إلى أقدس مقدساتهم. فعندما شعر أصحاب الأبقار الشهيرة بأن رسام الكاريكاتير الذي أساء شر إساءة للعالم الإسلامي قد يتعرض لخطر مزعوم من بعض الشبان المسلمين، قامت كل الصحف الدنماركية بإعادة نشر رسومه المسيئة تضامناً معه، بدعوى الحفاظ على حرية التعبير. ثم تنطع وزير الداخلية الألماني طالباً من كل الصحف الأوروبية إعادة نشر الرسوم تحت نفس الذريعة.
 
لكن قبل أن نلوم الدنماركيين على الإساءة إلى أكثر من مليار ونصف المليار مسلم بدم بارد، لابد أن نلوم هذا الكم الإسلامي «الملطشة»، الخامل، أو المتخاذل الذي يتلقى الضربة والإهانة تلو الأخرى كالفيل المشلول. فقد استمرأ المسلمون بفضل «قياداتهم التاريخية» الذل والمهانة، ومن يهن يسهل الهوان عليه.
 
لا شك أن من حق الدنماركيين أن يتشدقوا بحرية التعبير، ويعضوا عليها بالنواجذ. لكنه معروف للقاصي والداني أن العالم الغربي، من أقصاه إلى أقصاه، لا يستطيع أن ينبس ببنت شفة ضد اليهود، أو محرقتهم، فما بالك بمقدساتهم؟، خوفاً من الذهاب في «ستين ألف داهية»، كما حصل لمفكرين كبار من أمثال روجيه غارودي. لماذا؟ لأن اليهود يحترمون أنفسهم، ويسخرّون كل مقدراتهم الاقتصادية والإعلامية والسياسية والعسكرية لحماية أنفسهم حتى من كوميدي فرنسي «غلبان»، أو صحفي أمريكي مغمور، أو مؤرخ بريطاني مسكين يشكك بـ«الهولوكوست». وبالطبع يجب علينا ألا ندين اليهود على غيرتهم الزائدة على ثقافتهم وتاريخهم وشعبهم، بل حري بنا أن نتعلم منهم معنى الكرامة والعزة، بالرغم من أن عددهم في العالم لا يزيد كثيراً على عدد سكان القاهرة. مع ذلك فهم يقفون بالمرصاد لمن يسيء إليهم حتى بمقال بسيط، ويلاحقونه قضائياً وإعلامياً إلى أقاصي الدنيا.
 
لم يقم اليهود بالاعتداء على سفارات البلدان التي تسيء إليهم، ولم يستخدموا العنف لتهديد الذين يعتبرونهم «أعداء السامية» في الغرب، بل لجأوا إلى ما يخيف الغربيين فعلاً، ألا وهو القانون. فقد نجح اليهود في الضغط على كل العالم الغربي بسن قوانين وتشريعات تجرّم كل من يسيء لليهود، أو يميــّز ضدهم، أو يشكك بمحرقتهم، بحيث أصبح الكتاب أو المفكرون الغربيون يفكرون ألف مرة قبل التفوه بكلمة ضد اليهود، خوفاً من المحاكمات والملاحقات القضائية والسجون، كما حدث للمؤرخ البريطاني ديفيد إيرفنغ.
 
ما الذي يمنع المسلمين، من الفيلبين إلى العراق، من اللجوء إلى كل وسائل الضغط السلمية لإجبار الدول الغربية على إصدار قوانين تمنع الإساءة للإسلام والمسلمين، وتضع حداً لتفاهات رسام الكاريكاتير الدنماركي والصحف الدنماركية؟ صحيح أن بعض الجهات قاطعت المنتجات الدنماركية لفترة من الزمان، لكن الأمر كان مجرد «فورة غضب» عابرة ما لبثت أن تبخرت مثل كل الهبــّات الانفعالية السخيفة. وهذا ما جعل الصحف الدنماركية تتمادى في الإساءة إلى المسلمين. «من فرعنك يا فرعون؟ قال لم أجد أحداً يوقفني عند حدي». إنها معادلة بسيطة جداً: إن الذي يحني ظهره كثيراً يصبح عرضة للركوب.
 
قد يجادل البعض أن العرب والمسلمين ليسوا بربع القوة والنفوذ اللذين يتمتع بهما اليهود في العالم. وهذا طبعاً هراء بهراء. ألا يستحق الرسول الأكرم مجرد التلويح بسلاح النفط في وجه الدنمارك، وهو أقوى الإيمان، «لكنه مثل حلم إبليس بالجنة»؟ ألا تستطيع منظمة المؤتمر الإسلامي المزعومة الضغط على الدنمارك بتهديد الأخيرة بوقف بعض الصفقات معها لو كانت فعلا تغار على مقدساتها، طبعاً بعد أن تكون قد أخذت الضوء الأخضر من الدول الإسلامية العظمى، فهي وحدها القادرة على وقف الإساءة بإيماءة صغيرة. أما التعويل على الشارع العربي والإسلامي فهو تماماً كالمراهنة على حمار «أبرص» للفوز بسباقات الخيل العالمية؟ متى كان شارعنا قادراً على إحداث أي تغيير سخيف؟
 
وأرجو ألا يتنطع أحد ليقول لنا: إن الدول الغربية تضحي بمصالحها الاقتصادية والتجارية من أجل عيون حرية التعبير المزعومة. فهذه كذبة من العيار الثقيل انطلت على العديد من مثقفينا وليبراليينا الأشاوس. لقد تجاسرت إحدى الصحف البريطانية في يوم من الأيام على الحكومة الماليزية، وأزعجتها كثيراً. وكانت الحكومة البريطانية، في كل مرة يشتكي فيها رئيس الوزراء الماليزي السابق محاضير محمد من الصحيفة المذكورة، كانت الحكومة البريطانية تتذرع بحرية التعبير المكفولة في البلاد. لكن عندما هددت ماليزيا بالسلاح الاقتصادي، ووقف بعض الصفقات خرست الصحيفة البريطانية خرس القبور.
 
وكي لا نذهب بعيداً، لقد أخرس رئيس الوزراء البريطاني السابق طوني بلير ليس السلطة الرابعة التي لا تتمتع بأي نفوذ فعلي، بل أعلى سلطة في بريطانيا، ألا وهي السلطة القضائية، عندما أمر المحكمة العليا بوقف التحقيق حول بعض العقود التي أبرمتها بريطانيا مع إحدى الدول العربية، لأن الأمر يضر بمصلحة البلاد الاقتصادية. وقد نجحت تلك الدولة العربية بجدارة في ليّ ذراع التاج البريطاني، وجعلته يبلع لسانه. فمن الأولى إذن أن تستخدم البلدان العربية والإسلامية المؤثرة، سلطتها المالية والمعنوية في إخراس الدنمارك، فلا شك أن لجم بعض الصحف الدنماركية ومنعها من الإساءة إلى الدين الحنيف أسهل بألف مرة من لجم درة العدالة البريطانية المتمثلة بالمحكمة العليا التي أخرسها طوني بلير بضغط عربي بأسرع من البرق، كي لا يعرّض المليارات التي جنتها بلاده من صفقات الأسلحة للخطر.
 
كما يقع على عاتق إيران أيضاً التحرك سلمياً في وجه الاستفزاز الدنماركي الرهيب. لا أحد يطالب طهران بهدر دم الرسام الدنماركي كما أهدرت من قبل دم سلمان رشدي أبداً، بل عليها أن تستخدم نفوذها في وقف الإساءات للمسلمين ونبيهم بالطرق السلمية المؤثرة. ثم أين المرجعيات العراقية كالسيد السيستاني؟ لماذا أخرج أتباعه أكثر من مليوني عراقي في مظاهرات عمت البلاد احتجاجاً على عبارات تفوه بها ضيف عراقي بحق المرجعيات في برنامج «الاتجاه المعاكس»، بينما لم تصدر أي فتاوى من المرجعيات المرموقة لمقاطعة البضائع الدنماركية فقط لا غير، دفاعاً عن الرسول الكريم الذي أظهره الإعلام الدنماركي في صورة صارخة من السوء.
 
ما أسهل وقف الدنمارك وإساءاتها القذرة عند حدها لمن أراد! لكن المشكلة في حكوماتنا! هل يغار حكام العالم الإسلامي على دينهم فعلاً؟! أم إنه لا بواكي حقيقيين إلا للصفقات والمصالح الضيقة فقط، وليبق المسلمون «ملطشة للي يسوى واللي ما يسواش» إلى يوم الدين؟.


 

(10) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 19 مارس, 2008 11:23 ص , من قبل mafhm
من سوريا

نعم احسنت والله ياريتنا نجتمع على امر واحد ولو مرة واحده
ولك الشكر على كلماتك في موضوع رساله لامي
كن بخير


اضيف في 20 مارس, 2008 01:06 م , من قبل ahmedgadalla
من مصر

ماأجمل حديثك أستاذنا الفاضل
إنها المرة الأولى التى أقتنع بها بطريقة لإيقاف الدنمارك
ولكن متى نجتمع على كلمة واحدة
إنه الحلم الأكبر أن يتحد المسلمين
والله لن يستطيع كائن كان على الأرض أن يهزأ بنا
أضم صوتى لصوتك ويدى ليدك
ياليتنا نفيق


اضيف في 21 مارس, 2008 02:21 ص , من قبل aaber33
من لإمارات العربية المتحدة

عزيزي حامل المسك ,,

دائما تسعدني بمرورك وبمشارتك الجميله

امل ان يدوم التوصل

مع اطيب المني


اضيف في 21 مارس, 2008 02:23 ص , من قبل aaber33
من لإمارات العربية المتحدة

ahmedgadalla

اسعدني مرورك الاول لهذه المساحة وان شاء الله يدوم التوصل

تمنياتي لك بالتوفيق الدائم


اضيف في 21 مارس, 2008 12:59 م , من قبل momayzah
من لإمارات العربية المتحدة

صدقت ..

لقد اكتفينا بالمقاطعة .. التي لا ترد إعتبار ديننا و رسولنا الحبيب . و الغرب يضحك علينا حتى الإغماء


اضيف في 22 مارس, 2008 05:34 م , من قبل midwo
من مصر

كلنا يعلم ان وحدة المسلمين ستحل اعتى المشاكل
وستجعل طرفنا مهاب
ولكنه حلم بلا امل


اضيف في 24 مارس, 2008 05:59 ص , من قبل Firemountainseagle

كان الأولـى لفيصل القاسم ألا يستضيف من يحـاد اللـه ورسـوله ويـدافع عن الإسلام فـي حينـه فـي ذلك اللقاء بدل أن يعلمنا الآن كيف نـرد عـلى الدانمارك ... هذا هو التناقض بعينه "كـبر مقتا عند اللـه أن تقولوا مالا تفعلـون"...
ليـس عندي إعـتراض عـلـى الكلام المنشور أعلاه ولكني أعتقد أنه بإستضافته لتلك المرأة والسماح لها بالتهجـم علـى الذات الإلهية والمصطفى صلى اللـه عليه وسلم قد فرغ المقال أعلاه من محتواه
ودمت بخير


اضيف في 25 مارس, 2008 04:00 ص , من قبل aaber33
من لإمارات العربية المتحدة

انت مميزة وتعليقاتك مميزة كذلك ك

يسعدني تواجدك ويشرفنى توقيعك بهذه المساحة

امل ان يدوم التوصل

مع اطيب المني


اضيف في 25 مارس, 2008 04:02 ص , من قبل aaber33
من لإمارات العربية المتحدة

عزيزي ميدو

كثير من الانجازات بدات بحلم , وتحققت بعد المحاولة والاصرار ,

شرفني قدومك وتوقيعك

وامل ان يدوم التوصل

مع اطيب المني


اضيف في 25 مارس, 2008 04:13 ص , من قبل aaber33
من لإمارات العربية المتحدة

Firemountainseagle

سيدي الفاضل

سخصيا لااحمل فيصل مايقوله ضيوفه حيث انه لايعلم الغيب ولا يستطيع ان يتنبأ بما سيقوله الضيف , وكذلك برنامج الاتجاه المعاكس برنامج سياسي وليس ديني ولهذا يفترض من الضيوف , التطرق للموضوع سياسيا وليس دينا , وانا شاهدت الحقلة اكثر من مرة وكان من الواضح بان المدعوة وفاء سلطان قد حولت النقاش من نقاش سياسي الى نقاش ديني لتنجوا من المازق التى وضعها فيها طلعت حرب , وكان فيصل القاسم اكثر حدة ومقاطعه في هذه الحلقة من اي حلقة اخري وكان يقاطع وفاء ويوجه الحوار الى الجانب السياسي ولكن الضيفة كانت مضمرة في نفسها الاساءة وفعلت مااضمرت , ومع هذا لم تعاد الحلقة واعتذرت قناة الجزيزة , واعتذر كذلك فيصل , فلا اجد سبب يجعنا نشن هذه الحملات على هذه القناة او مذيعيها سوى للاسباب سياسية مستترة بالدين يلعمها جيدا من يتابع الاحداث

على العموم اسعدني مرورك واضافتك الجميله

وامل ان يدوم التوصل

مع اطيب المني




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية